كل فكر بحاجة إلى ممارسة كي يترجم من خلالها إلى واقع ملموس ويبتعد عن كونه بنياناً معرفياً أو فلسفياً. كما أن كل ممارسة بحاجة إلى فكر يشرعن وجودها ويفسره, سواءً سميناه أيديولوجية, ثقافة, أخلاقاً...الخ. كلما كان هنالك تطابق بين الفكر والممارسة أو النظرية والتطبيق كلما غلبت الموضوعية والعقلانية والعلمية على السلوك الإنساني. لكن كثيراً ما يوجد قصور في فهم وتطبيق التصورات والمبادئ والقيم التي نحملها والتي تساعدنا على فهم الحياة من حولنا والكيفية التي تعمل بها أو التي نريد نهجنا الحياتي أن يعمل وفقاً لها, وبالذات الجانب السياسي من السلوك الإنساني. هنا نحن نقترب شيئاً فشيئاً من الحديث عن الثقافة السياسية والتي هي تمثل المعارف والقيم والمبادئ التي تعطي مضموناً وقيمة للعملية السياسية. بمعنى آخر هي ترتبط في جزء منها بنظرة الفرد للمؤسسات السياسية من حوله والتي تجعله قادراً على الحكم عليها.
تبدو الثقافة السياسية مهمة لأنها ترتبط بالسلوك السياسي للفرد. فهي التي تؤثر بهذا السلوك وتقولبه في شكل أو آخر. حيث أن تفاعل الإنسان مع بيئته السياسية يكون وفقاً لنوعية المعارف والمفاهيم التي يؤمن بها. وقد

القيم التي يحملها الفرد المشارك سياسياً
لا تزال غير مهيأة للأفكار التحررية المطروحة

قسم علماء الدراسات السياسية المقارنة الثقافة السياسية إلى ثلاثة أنواع. فهناك المواطن الذي لا يكترث بالشأن السياسي العام نظراً للامبالاة وضعف التعليم وهكذا. وهناك ثقافة التبعية, حيث يدرك الفرد أهمية الشأن السياسي ولديه تصور حياله لكن دوره هنا أشبه بالمتلقي فقط. وغالباً ما يوجد هذا النمط من الثقافة في الأنظمة الديكتاتورية حيث الثقافة الواحدة المفروضة. أما النوع الأخير فيمثل ثقافة المشاركة السياسية, إذ يكون المواطن فاعلاً في الشأن السياسي ومهتماً به, من خلال الانتخابات, الأحزاب, التواصل مع المسئولين...الخ. أي أن هنالك هامشاً يمكن من خلاله التأثير في العملية السياسية وإبداء الرأي فيها, وفقاً بطبيعة الحال للقنوات المتاحة بهذا الخصوص.
إن ما يجب الإشارة إليه هنا هو أن الثقافة وثيقة الصلة بالواقع الاجتماعي المعاش, بل هي في الغالب نتاج له. فهي تؤثر فيه وتتأثر به, وبالتالي فإن أي قراءة خاطئة للواقع السياسي والاجتماعي تؤدي حتماً إلى قناعات تترجم بشكل خاطئ مما يقلل من نجاحها. هذا في الحقيقة ما يعتري في كثير من الأحيان سلوك الناخب والمرشح في العالم العربي. كيف؟
في الانتخابات التشريعية الأخيرة في الكويت شاركت المرأة لأول مرة كمرشح وكناخب. تعددت أيضاً الأفكار والتيارات السياسية داخل الطيف السياسي الكويتي, تعددت الشعارات والدعايات والتسميات, ولكن كما يقال لا يصح إلا الصحيح. أي أن الذي كان أكثر ارتباطاً بالواقع الاجتماعي والثقافي السائد كان هو الأوفر حظاً للفوز. من هنا كانت الغلبة للتيار الديني أو الإسلامي كما يسميه البعض. والنجاح الانتخابي لهذا النوع من الفكر السياسي تكرر قبل ذلك في مصر والسعودية. وفي اعتقادي أن عوامل نجاحه لا تعزى بالمقام الأول لقوة البرامج الانتخابية للمرشحين بقدر ما هي ترجمة لثقافة سياسية سائدة يحمل لواءها هؤلاء المرشحون. أي أن هنالك ترابط أكبر بين الواقع السياسي للمجتمع والثقافة السياسية في هذه الحال. فالقيم والقناعات التي يحملها الفرد االمشارك سياسياً لا تزال في الغالب غير مهيأة للأفكار الليبرالية والتحررية التي تطرحها القوى السياسية الليبرالية, بقدر ما هي أكثر تماهياً مع توجهات وطروحات القوى السياسية المحافظة. لكن ما يجب إدراكه أن الثقافة أشبه بالكائن الحي يتطور وينمو ويتغير من حين لآخر بتغير الظروف المحيطة. وقد نرى في المستقبل تغيراً في سلوك الناخب العربي في اتجاه أو آخر.
* أستاذ العلوم السياسية في جامعة الملك عبدالعزيز