أيام ومشاهد «جداوية».. لقاءات لن تنسى
في اليوم التالي لوصولي إلى مدينة جدة ذهبت لزيارة مقر مؤسسة عكاظ للصحافة والنشر، بناء على اتفاق مسبق مع الشاعر والكاتب الأستاذ هاشم الجحدلي المشرف على صفحات الرأي في جريدة عكاظ، حيث أبديت له رغبتي في زيارة المقر والتعرف على الزملاء من المسؤولين والمحررين فيها، وكررت رغبتي تلك للدكتور هاشم عبده هاشم رئيس التحرير أثناء لقائي معه في منزل الأستاذ عبدالمقصود خوجة حيث أبدى ترحيبه بأريحية، عندما وصلت إلى مقر مؤسسة عكاظ لفت انتباهي للوهلة الأولى أمران الأول هو وجود بعض الإجراءات الأمنية الاحترازية التي قد لا تبعث على الارتياح للوهلة الأولى لكنها ضرورية ومن شأنها إضفاء مزيد من الطمأنينة بالنسبة للعاملين والزوار على حد سواء، وكنت متفهما ومقدرا الظروف الدقيقة التي نمر بها من جراء الممارسات الإجرامية التي تقوم بها بين الحين والآخر مجموعات انتهجت أسلوب العنف والتطرف والإرهاب المحض لفرض أجندتها (التدميرية) الخاصة وذلك تحت دعاوى وشعارات زائفة توسلت بها ومن خلالها لاختطاف المجتمع وتدمير مقومات الدولة والوطن، وفرض منهجها التكفيري الاستئصالي، غير أن توالي الضربات القوية التي وجهتها أجهزة الأمن المختلفة (التي أحكمت زمام المبادرة) ورجالها الشجعان مما أدى إلى تفكيك معظم الخلايا الإرهابية وسقوط معظم كوادرها الرئيسية بين قتيل ومعتقل وفار، وإحباط وإفشال مخططاتها اليائسة مثل محاولة تفجير معامل فرز الغاز عن الزيت في ابقيق . هذه المجموعات الإرهابية وتحت وطأة هزائمها المتتالية وشعورها بالعزلة والحصار ، وعلى غرار القول المنسوب لغوبلز وزير دعاية هتلر «عندما اسمع كلمة ثقافة أتحسس مسدسي» أخذت تطلق تهديداتها ضد مواقع الاستنارة وحملة الفكر والمعرفة والثقافة الجادة في بلادنا والعالم العربي لأنها تعي أهمية الدور الهام الذي يقوم به الفكر المستنير في تفكيك خطابها الظلامي التكفيري وتبيان مدى تهافته وسطحيته ونهجه التدميري الأعمى، الأمر الثاني

المسألة تكمن في التعبير والطرح الذي ينبغي أن يتسم بالموضوعية والهدوء ونبذ الاستفزاز

الذي لفت انتباهي هو فخامة المبنى (هندسيا وجماليا) بخلاف المبنى السابق القديم الذي زرته قبل حوالى 6 سنوات برفقة الصديق القديم الأستاذ مصطفى إدريس أعاده الله إلى ربوع الوطن من رحلته «اللندنية» معافى من كافة النواحي. اللقاء مع الدكتور هاشم عبده هاشم كان ممتعا وغنيا على قصره، رحب في البداية بانضمامي إلى كتاب عكاظ ، و تحدث عن سياسة عكاظ ورسالتها، بمهنية عالية وعقل منفتح، وانه يسعى بدعم ومؤازرة الجميع لتكون (عكاظ )بوتقة وإطاراً لتفاعل مختلف الرؤى والأفكار والاجتهادات والقراءات المختلفة ما دامت تنطلق من أرضية وطنية وتصبو للارتقاء بالإنسان السعودي في كافة المجالات، وتحدث عن قناعته بان الصحافة السعودية ومن ضمنها عكاظ تسير بخطى حثيثة لرفع سقف حرية التعبير والتفكير والكتابة والنشر مع الأخذ بعين الاعتبار التمسك بالثوابت (الدين، والوطن ،القيادة السياسية) الأساسية، وعبر عن قناعته بان هناك واقعاً تعددياً في بلادنا علينا الاعتراف به وانه لم يلمس أي توجه ما من أية جهة لإقصاء أي من المكونات الثقافية والفكرية والمذهبية في بلادنا ، وحول موضوع الرقابة أو ما يسمى بمقص الرقيب قال ليس هناك شيء لا يمكن الحديث عنه أو تناوله (ضمن الثوابت المعروفة) ولكن المسألة تكمن في كيفية التعبير و أسلوب الطرح الذي ينبغي أن يتسم بالموضوعية والهدوء ونبذ الاستفزاز والتجريح والمزايدة، وقد عبر عن اهتمامه بأوضاع المنطقة الشرقية وضرورة مواكبة عكاظ لما يعتمل في المنطقة من حراك اجتماعي واقتصادي وثقافي وفكري، وشدد على أن جريدة عكاظ رغم أنها تصدر من المنطقة الغربية إلا أن إطارها و توجهها يتسع للوطن كله بجميع مناطقه ومكوناته وفي ختام اللقاء أكد أن مواقعنا ومسؤولياتنا قد تختلف، وتصوراتنا قد تتباين وهذا شيء طبيعي ولكن الشيء والهدف الرئيسي الذي يجمعنا هو خدمة هذا الوطن العزيز كما جدد ترحيبه بوجودي ضمن كتاب عكاظ. خرجت من لقائي مع رئيس التحرير وأنا كلي امتنان، وحين ودعته قال لي وهو يبتسم ابتسامة ذات مغزى هل تود رؤية الدكتور سعيد السريحي (أحد القامات الثقافية الكبيرة في بلادنا) أجبته على الفور أكون سعيدا لو تحقق ذلك وأرسل معي من دلني على مكتبه، حين دخلت كان منكبا في حديث مع أحد مسؤولي الجريدة حين عرفته بنفسي رحب بي بحرارة وكأننا نعرف بعضنا (القلوب عند بعضها) منذ زمن طويل، طلبت منه أن يحيي أمسية ثقافية في ديوانية الملتقى الثقافي في المنطقة الشرقية وأبدى ترحيبه على الفور مازحته قائلا ما لفت انتباهي في مقر الجريدة أن كل العاملين فيها بدءاً من رئيس التحرير ومرورا برؤساء الأقسام وحتى المحررين لا يضعون الغترة والعقال أثناء عملهم، أجابني ضاحكا تعرف أن لي في المكتب هذه العدة (الغترة والعقال) ومثلها في المنزل لأنني غالبا ما أنساها في زحمة العمل غير أن لسان حاله وحال الآخرين يقول انه يريد للعقل والفكر أن ينطلق دون أي عقال مادي أو معنوي يكبحه ويحده. جولتي الأخيرة التي ختمت بها زيارتي لمقر المؤسسة العتيدة كان لقائي مع الأستاذ الكاتب والشاعر هاشم الجحدلي والشاعر والكاتب احمد عايل فقيهي وكان حديثهما عذبا وتلقائيا وشفافا كالنبع الصافي أو بالأحرى كالشعر تحدثنا عن هموم وشجون الصحافة وعن الذكريات والأصدقاء المشتركين سألاني عن الصديق المشترك الشاعر على الدميني أخبرتهما انه في جدة وانه بصدد أحياء أمسية شعرية في جمعية الثقافة والفنون في مدينة الطائف وتواعدنا أن نلتقي مساء ذلك اليوم ولكن ظروفهما الخاصة لم تسمح بذلك ووعدا بزيارة للمنطقة الشرقية واشترطت عليهما عدم عبور الجسر إلا معي عندما «تفرج» وأجابا إن شاء الله ستفرج قريبا ، أخيرا أقول كل لحظة و «جدة» وأهلها الطيبون بألف خير.