اقتنيت اليوم ساعة جديدة بما يعادل تكلفة ثمانية كيلو لدو... وتحتوى على ست عقارب مختلفة وبأحجام مختلفة تستطيع قياس فترات زمنية قصيرة جدا تصل إلى واحد على المائة من الثانية... فكر في هذه الفترة المتناهية الصغر علما بأن غمزة العين تستغرق حوالي ربع ثانية... يعنى هذه الساعة العجيبة الرخيصة تستطيع قياس أربعة في المائة فقط من غمزة العين... وتحتوى على بطارية تتذبذب بمعدلات سريعة جدا... تحديدا 32768 مرة في الثانية الواحدة لتوفر لي درجة عالية من الدقة لا تتجاوز المائة وخمسين ثانية في السنة الواحدة... وتعتبر هذه درجة متوسطة بمعايير اليوم لأن تقنية ضبط الوقت قد وصلت إلى تأكيد دقة تصل إلى أقل من ثانية واحدة سنويا... وهذه الأرقام تعتبر خيالية نسبة إلى مستويات الدقة التي كانت سائدة منذ عشر سنوات، ولكنها تحتوى أيضا على جوانب محزنة جدا فقد بدأت بكتابة هذه السطور وأنا في انتظار اكتمال معاملة ما في إحدى الدوائر... ساعتي الجديدة على معصمي تحاول أن تقيس التقدم في أي شيء حولي بدون جدوى... ولا توجد ساعة حائط واحدة عاملة على أي من الحوائط الخارجية أو الداخليـــة... وقد بحثت في معظم الجدران فوجدت ساعة يتيمة وحزينة جدا، شكلها لم تتحرك منذ أيام حرب الخليج... الأولى... وتذكرت أن إحدى معايير رقي الأمم هو وجود ساعات الحائط العاملة بدقة ... ما علينا... وتذكرت أيضا

من يضيّع ثانية من مصالح البشرفكأنما يسرق إحدى أهم نعم الله علينا

أن بعض العجائب في نظرية النسبية التي وضعها العالم الفذ ألبرت إينشتاين أنه كلما كانت قوة الجاذبية أقوى كانت حركة الساعات أبطأ، وأدركت فجأة وكأن حركة كل شيء حولي هي في الواقع ثقيلة جدا... وبطيئة جدا... والله أعلم فلو سقط المسواك من بين أسنان الموظف الجالس أمامي الآن فلن يخضع تسارعه نحو الأرض لقوانين الفيزياء التي اكتشفها اسحق نيوتن... وحزنت لأن الاهتمام بالساعات يعكس الاحترام للثواني من الجميع سواء كانت المؤسسات العامة أو الخاصة، أو حتى الأفراد... وكل من يضيع ثانية واحدة في مصالح البشر فكأنه يسرق من حياتنا إحدى أهم النعم التي أنعم الله عز وجل بها علينا... ولو ضاعت ثانية من كل شخص على رأس العمل في المملكة اليوم فمعناها أننا سنفقد أكثر من ألفي ساعة عمل... يعنى خلال شهر واحد سيعادل هذا الضياع الفترة التي تبذلها شركة بوينج في صناعة جامبو جديدة بورقتها... نظرية... وتدخل الثانية بكل قوتها في تعريف القياس العلمي في حياتنا بطرق عجيبة لا نعطها حقها من الاهتمام فهناك ست وحدات أساسية في حياتنا وهي الثانية في الزمن... واللومن في الضوء... والمتر فى المسافة... والأمبير في الكهرباء... والكيلو في الكتلة... والمول في الكيمياء... والطريف في الموضوع أن الثانية تستخدم في تعريف أربع منها، وبالرغم من هذه الأهمية فبعض البشر لا يحترمها وللعلم فهذه بعض من الأشياء التي ممكن أن تنجز خلال ثانية واحدة.
- يستطيع جهاز الحاسوب الذي أطبع عليه هذه المقالة أن ينجز ألفاً ومائة مليون عملية.
- يغطي الصوت مسافة قدرها حوالي 340 مترا
- تستطيع البوينج 747 أن تغطى 84% من سرعة الصوت.
- تستطيع بعض السيارات على طريق الملك في جدة أن تسير وللأسف بسرعة تصل إلى 17% من سرعة الصوت.
- ترتكب مخالفة مرورية واحدة في مكان ما على طرقات المملكة.
- يدق قلبي بمقدار حوالي ضربة في الثانية عند قيامي من النوم.
- يرتفع مقدار دقات قلبي بنسبة ستين في المائة عند القيادة في شوارع جدة.
- تتقدم معاملتي في الدائرة المذكورة أعلاه بمقدار «زيبتو» ثانية على وزن «زيفتو» وتعادل واحداً على الترليار من الثانية... واحداً على ألف ترليون... أي أنها ستتطلب فترة قد تكون أطول مما يسمى «في المشمش» بحوالي مليون مرة (وممكن أن تستخدم حصريا في بعض الدوائر، وشركات النقل الجوى، والبنوك)
- تستطيع أن تقول بسم الله... وسبحان الله... والحمد لله... وحسبنا الله... واستغفر الله... وهذه أفضل الثواني على الإطلاق
أمنيـــة
أنعم علينا الله بـ86400 ثانية لكل منا خلال هذا اليوم ... وستستغرق قراءتك لهذه المقالة فترة تتراوح بين المائة وخمسين إلى ثلاثمائة ثانية منها... لاحظ أنك ضيعت حوالي ثلث في المائة من ثواني يومك هنا... هذا إن أكملتها إلى النهاية مشكورا ولم تتخلص منها... أتمنى أن تكون جميع ثواني يومك مثمرة لعمل الخير.
والله من وراء القصد