سألتني ابنتي الشابة، وهي تتابع حواراً تلفزيونياً حول قيادة المرأة في المملكة للسيارة: هل توافق يا أبي أم تعارض؟، وأجبتها بسرعة: إنني أوافق على ذلك الحق الطبيعي لها.
وهنا «اختفها» الفرح، وهبّت واقفة وقالت: هيا يا أبي إلى صالة «لكزس» لتشتري لي سيارة.
فزعت من ذلك الطلب المباغت، وقلت لها: والله لن أفعلها، فقالت: أليس ذلك حقاً من حقوقي!!
أجبتها: نعم ولكن، فقاطعتني: يعني أنت من جماعة ولكن؟
قلت لها: يا ابنتي، إننا لا نستطيع -اجتماعياً- تجاوز ثقافة أقلية لا تزيد نسبتهم عن العشرين في المائة من سكان المملكة، وهي الفئة التي تزيد أعمارها عن 30 سنة، حيث إنها تقوم بدور «دكتاتورية» التحكم في الفضاء الاجتماعي الذي تشكل النساء والشباب نسبته الباقية التي تصل إلى 80 في المائة من عدد السكان.
وحين نعلم أن سكان بلادنا أو الأغلبية الساحقة منهم على وجه الدقة، متوافقة على الخطوط العريضة للثوابت الثلاثة، الأحكام القطعية من الدين في شطري العبادات والمعاملات، والوحدة الوطنية، والمشروعية السياسية لقيادة البلاد، فإن نواظم الفضاء الاجتماعي تشتمل على هذه الثوابت كمرجعية، مثلما تشتمل على الأعراف والتقاليد. وقد غلب على هذه الأعراف ثقافة تاريخية ذكورية أملتها ظروف اقتصادية واجتماعية، كان الرجل فيها مصدر الرأي ومعيل العائلة، ورجل الحرب والسلام.
ونتيجة للقدرات العضلية للرجل، فقد تكفلت الثقافة الذكورية بمنحه حق الأفضلية وحق الصدارة، وذهبت في سبيل بسط مشروعيتها، إلى التلبس بغطاء تأول ديني، يرفعها من مرتبة العرف، إلى مصاف القداسة.
وبالرغم من كل تلك الهيمنة الثقافية، إلا أن ظروف الواقع اليومي وحاجة العائلة والتجمعات القروية إلى إسهام النساء في تحصيل المعاش اليومي، قد فرضت حضور المرأة كشريك في العملية الإنتاجية جنباً إلى جانب الرجل، في الزراعة، والرعي، والحصاد، وجلب الماء، والكلأ، والحطب، وفي معارك صد عدوان التجمعات البشرية الأخرى بحسب طاقتها. وقد عملت تلك الشراكة على مدى مئات السنين على تثبيت شيء من التواطؤ الاجتماعي الذكوري للاعتراف لها بالوجود الفيزيائي، لترعى القطعان مع الرجال، ولتستخدم الدواب في تنقلها من موقع إلى آخر، ولاستشارتها في غياب الزوج في ما تقرره الجماعة من قرارات معيشية والتزامات مادية تمسّ عائلتها، ولكن حقوق المرأة كشريك مساوٍ وكإنسان كامل الأهلية بقيت

ونتيجة للقدرات العضلية للرجل فقد تكفلت
الثقافة الذكورية بمنحه حق الأفضلية والصدارة

مغيبة وباستمرار.
عقبت ابنتي: يعني هذا أن المرأة كانت تعمل مع الرجال، وتركب الدواب مثلهم، فأجبتها: يا ابنتي، ذلك واقع اجتماعي معاش، ومن يتذكر مثلي حياة طفولته في قرية نائية قبل خمسين عاماً، سيرى في تلك الحياة امتداداً تاريخياً لحياة الناس، منذ مئات السنين، حيث لا شيء يتغير، ولا وسيلة تبتكر، ولا معرفة تضاف، وما يتغير فقط، هو موت الإنسان.
وبعد توحيد المملكة بقيادة المغفور له الملك عبدالعزيز، وحين تدفقت علينا نعمة البترول فإن تغيرات جذرية حدثت في فضائنا الاقتصادي والاجتماعي، جراء اتصالنا بالعالم المتطور. وقد أدت مفاعيل توظيف الرجل دوراً كافياً لاحتكار مصدر الرزق، ولتكريس اعتماد المرأة عليه، وتقليص تواجدها الفيزيائي من الفضاء الاجتماعي والعملي، وبقيت رهينة محبسي البيت والمطبخ ردحاً من الزمن، حتى وافقت الحكومة على تعليم المرأة، فانفتحت أبواب المعرفة وفرصة تحقيق الذات، أمام المرأة من جديد، وفاقت في تحصيلها الرجال، وتميزت في الحقول المتاحة لها كالطب والتعليم والثقافة على أقرانها، وبذلك خرجت من محبسها، ولكننا لم نخرج من أسر ثقافتنا الذكورية المسيطرة عليها وعلى فضاء المجتمع.
أحسست بغضب ابنتي حين قاطعتني: أنت واحد من تلك الفئة يا أبي، فأجبتها: أنا واحد بحكم السن، ولكنني مع حقها في قيادة السيارة. وبحكم السن أيضاً أرى أنه، ولكي تأخذ المرأة حقوقها ومن ضمنها قيادة السيارة، فإن فضاءنا الاجتماعي وثقافته الذكورية المهيمنة يحتاجان إلى قراءات ومقترحات وخطوات عمل حقوقية وقانونية واضحة وعاجلة.
وإذا كان المحافظون يصرون على أن تلك الخطوة -على أهميتها- ليست على رأس الأولويات، ويذهبون بالقول إلى استحالة السماح للمرأة بذلك الحق في ظل تجاوزات نشهدها من شبابنا ضد كينونة المرأة ووجودها في السوق والشارع، فإنني أرى أن علينا الاعتراف أولاً بإنسانية ثمانين في المائة من سكان بلادنا من النساء والشباب، وبعدها سيرون أنه يمكننا تجاوز المشكلة بكل بساطة.
إن قيادة المرأة للسيارة حق طبيعي لها، وإنه لا يوجد ما يحرمه ديناً ولا قانوناً، سوى ما علق بثقافتنا من طبقات كثيفة من الأعراف والتأويلات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وإن علينا الإقرار بذلك الحق، ومن ثم نمضي إلى ميدان تهيئة المناخ التعليمي والتربوي والاجتماعي والحقوقي، الكفيل بممارسة هذا الحق.
قاطعتني ابنتي بتأفف: لقد عقدت الموضوع وقصدك التهرب من شراء سيارة «لكزس» لي، فأجبتها: إن المسألة معقدة جدا وبسيطة أيضاً، ولكننا نستطيع حلها بطريقة علمية، تبدأ من البيت واحترامه للطفلة والطفل، والفتاة والفتى، ومعاملتهما بنفس الدرجة من الحقوق والواجبات، ثم تمتد إلى مناهج التعليم ونزع الانحياز البارز فيها لتفضيل الولد على البنت، وتكريس دورها المطبخي مقابل دوره في اللعب في الشارع والتنزه في الحدائق، وتصل إلى الممارسة اليومية حيث لابد من تمكين المرأة، ضمن الضوابط الشرعية، من المساهمة في الأنشطة الثقافية، والتجارية، والعملية، والاجتماعية مع الرجل، حتى يعتاد الجميع على هذا الوجود الفيزيائي والطبيعي للمرأة في فضائنا الحياتي، مثلما ألف ذلك واستجاب له الأجداد، ومن سبقهم، ومثلما تعاطت معه بإيجابية كافة المجتمعات البشرية المعاصرة.
وبموازاة هذا التوجه، لابد من الإشارة إلى ضرورة معالجة طوق العزلة القاتلة التي نمارسها ضد الشباب، والعمل على إدماجهم في فضاء التواجد الاجتماعي، ونزع كل اللافتات التي تشير إلى موقع للعزاب، وآخر للعائلات، لأن هذا الفصل القسري، هو الذي يقف خلف كل التصرفات غير المقبولة من الشباب إزاء أخواتهم وأمهاتهم، ولنعاقب بعد ذلك، المسيء منهم، أشد العقاب.
يا ابنتي إن على مجتمعنا أن يتجاوز «دكتاتورية» ثقافته الذكورية السائدة، وثقافتي بالتأكيد جزء منها، لكي يتمكن من الإقرار بأن الإنسان شريك ومكافئ لأخيه الإنسان، رجلاً كان أو امرأة، كبيراً في موقعه أو صغيراً، وسوف نرى بعدها أن مسألة قيادة المرأة للسيارة، ستكون أمراً ضرورياً، وحلاً لمشكلات كثيرة تطرق إليها الداعون لذلك الحق والرافضون له على السواء.
علقت ابنتي وهي تجر ثياب الخيبة، والإحباط: يعني لن تسمحوا لنا أيها «الشيّاب» بقيادة السيارة؟
قلت لها: إن الإجابة تكمن فيما قاله «قينان الغامدي»، من أننا نحتاج إلى قرار سياسي لتشريع هذا الحق، وبعد ذلك لنترك لكل عائلة اختيار الحل الذي ترضاه لنساء العائلة.
فرحت ابنتي بهذا الحل السحري، وقالت: إذن ستسمح لي بالقيادة.
أجبتها طبعا، ولكن بشرطين: أولهما تهيئة المناخ الاجتماعي وفق ما ذكرته سابقاً، وثانيهما أن تكوني قادرة على شراء السيارة بعد تخرجك من الجامعة وحصولك على وظيفة، فما جدوى قيادة السيارة لعاطل أو مراهق (رجلاً كان أو امرأة) لا يقدر قيمتها ودورها في تأمين لقمة عيشه ومستلزمات حياته؟!
تعليقات الزوار
تسطيح وابتسار لحقوق المراة فهل حظيت المراة بحقوق تفوق قيادة السيارة وبمراحل ؟!!
تأمين لقمة | koka يقول... الله لا يوفقك با دعاه التغريب
والعلما نيه
قيا دة المراة للسيا رة | نورة الجهنىة يقول... لماذا تحرم تحرم المراة من قيادةالسيارةفهل اذا قادت بنفسهااحسن ام مع السا يق او تحت رحمةالولد اوالاخ اوالزوج
women driving cars | yousef alkhotani يقول... i agree 100 %
تعقيب | رشيدابوهشام يقول... استاذ علي الدميني الغامدي
صباح الخير
اشعارك الجميله وانتاجك الادبي اختصرته بقياده المراة ارجو ان ترفع من المستوي وتدرك اخطار قياده المراه فقد عجزنا عن تهور الشباب فمابالك بالنسوان وهذاعتب رقيق عليك
حقوق المرأة | أبوالبراء يقول... في البداية تسجل لكم إعجابنا بالأسلوب الرائع في الطرح، وإستطراداً لموضوعك فإن أهم ما يجب علينا العمل عليه هو الرفع من المستوى الفكري والرقي في تعاملاتنا وسوكياتنا مع الآخرين أي بناء الإنسان قبل بناء البنيان، فهي الحضارة الحقيقية والسبيل الى تجاوز كافة العقبات التي يصادفها مجتمعنا والتي يصبح عندها أمر قيادة المرأة وغيره من الأمور الخاصة بها أي تمكينها من القيام بكامل مسؤولياتها بنفسها أسوة بالرجل أمراً طبيعياً.
الأولى | بو محمد يقول... أخي أتركك عن أمور حسمت من قبل ولاة الأمور ، وقدم للمجتمع مايخفف عنه من نسب الطلاق المرتفعة وشبح العنوسةالمخيم في كل بيت والبطالة و...
تحية لكم | علي الدميني يقول... سعدت بهذه التعليقات
وكم نحتاج لحوارات عاقلة ورشيدة حول مختلف القضايا المدنية
فالحقيقة نسبية دائما لكنها تاخذ موقعها الأقرب إلى الصواب من حوارات هادفة وهادئة كهذه
لكم كل التقدير
حتى لانظلمها من حيث لانشعر | ابوصالح يقول... حتى يكون الطرح بعيدا عن العواطف يجب النظر الى العواقب
| مريم يقول... الرافضين للقياده ليس مانسبته عشرين بالمئه بل مانسبته تسعين بالمئه والنساء يتطلعن لقضاياأهم من القياده وهي تعرضهن للظلم والعنف فهل تعرضت في كتاباتك لمثل هذا
ليس الاقلية بل الاكثرية | ام بدور يقول... عفواًالاحصائيات الدقيقة تبرهن ان رفض المجتمع السعودي الواعي لقيادة المرأة للسياره همالاكثريةو ليس الاقلية وليس كما ادعى الكاتب
| ابو لجين يقول... ماهي عواقب ذلك وكذلك اريد ان اخبرك بان المراءه ناقصة عقل ودين 0
بعيداً عن قيادة المراءه للسياره نرى يومياً الكثير من المهازل التي تحدث في الاماكن العامه وابطالها هم من الجنس التاعم فكيف بنا ونحن نعطيهم حريه أكبر بقيادتهم السياره 0
أعتقد أن الموضوع شائك ويحتاج الى الكثير من التفكير وبعقلانيه حتى لانعود ونقول ياليت الي كان ما صار ونخرج يومياً ونقول .....0
علماً بأن طرحك للموضوع كان فيه الكثير من المغالطه فمن اين اتيت بتلك النسب اي 80% وكذلك 20% 0
v] | مصطفى قابل ابن مبيريك الغانمى يقول... والله يا جماعة يوجد فى المجتمع ما هو اهم من قيادة المراة للسيارة وتانيث محلات النساء انها البطالة التى لم يستطيع القصيبى التغلب عليها وطلعلنا بموضوع المراة ان جل اهتمام القصيبى ينصب على المراة ما ادرى ما هو السبب وارجو منه ان يستمع لمشورت علمائنا الافاضل والله يرحمك يا ابن باز ويا ابن عثيمين ماسمعنا اصوات هولاء فى حياتهم ارجو من القصيبى ان لايحدث فتنة فى هذه البلاد ولايشمت اعدئنا فينا فهذه البلاد كانت امن وامان وسوف تستمر بفضل ملوكنا ابناء عبد العزيز ودستورنا القران