تشهد المملكة في عهد ملكها الصالح سلسلة من التحولات الاقتصادية العالية، وكذلك الاجتماعية، التي تنطوي على تأثيرات واسعة النطاق على مختلف الأصعدة وتتسع دائرة الاهتمام المكثف خاصة بالتطور التعليمي والرقي المعرفي سواء في التعليم العام أو العالي لذلك كان محور العلم والتعليم المحور الرئيسي لمؤتمر الحوار الوطني لطرح الآراء والمقترحات ومناقشتها والخروج بتوصيات لمبتدئ تفعيلها لتطوير الخارطة التعليمية والمناخات الفكرية والتضاريس المعرفية مؤمنين بأن الثورة العلمية المعاصرة في الغرب بدأت بثورة في العقل البشري متزامنة وموازية مع ازدهار العلم وترسخ مسيرته المعاصرة ازدهرت إلى جانبه الفنون والآداب وارتقت العقلية الاجتماعية هناك وأخذ الفكر في النضج والمجتمع كله في التحرك باتجاه العلم والعقل وفي وطننا نكاد نلاحظ عكس ذلك تماماً المتعلمون يتزايدون ومظاهر المعاصرة والتحديث يزداد انتشارها، مع ذلك يتراجع الفكر وتتدهور الثقافة وتضمحل الفنون والمعرفة إلى درجة ملفتة للنظر وقبل أن يكون في وطننا العربي جامعات تدرس العلم والأدب كان هناك فلاسفة وعلماء وأدباء أوضح رؤية وأغزر إنتاجاً وأكثر تأثيراً وأخصب إبداعاً أما حاضرنا المعاصر فهو مختلف بل يكاد يلاحظ المتعلم في الوطن العربي فروقاً في النوعية وتدهوراً واضحاً في المستوى والإنتاج العقلي من عقد إلى عقد وتحول العلم في عقليتنا إلى مادة إخبارية أو معلوماتية قائمة بذاتها بلا زمان ولا مكان وبلا خلفية اجتماعية أو اقتصادية سواء كان ذلك في العلوم الإنسانية أو في العلوم الطبيعية وبذلك لم يرافق الفيض الإخباري

أصبح أغلب التعليم يسلك سبلاً متعرجة تسوده الهشاشة ويعمه الارتباك والتراجع

أو المعلوماتي الذي تبثه المؤسسات التعليمية أي تغيير أو تطوير أو تحديث وأصبح من السهل على العقل العربي البشري المعاصر أن يقفز في موقفه العلمي من الحقبة الإغريقية إلى الحقبة الإسلامية ثم إلى الحقبة التنويرية إلى الحقبة المعاصرة ثم يعود إلى أي منها خلال الأطروحة نفسها دون أن يرى الفروقات الضخمة التي تكتنف هذه القفزات ودون أن يتبين ما يتطلب ذلك من نفي وتقادم وإلغاء ولذلك أصبحت السمة الغالبة لمتعلمينا وعلمائنا المعاصرين أنهم يحملون علوم القرن الواحد والعشرين بمنطق القرن الثامن والتاسع ولأن الثقافة العربية لم تتغير جذرياً خلال حقيقة هائلة الطول تبتدئ بالعصر الجاهلي وتعمق وتوسع خلال العصر الراشدي فالأموي فالعباسي الأول ثم تعود فتضيق ثم تكاد تختنق خلال القرون الستة التي تلت العصر العباسي ثم تنفرج بالتدريج حتى تصل إلى ما وصلت إليه الآن لذلك نجد العقل العربي يعيش في علمه مع امرئ القيس ولبيد وسيبويه والخليل وابن عباس وابن تيمية وابن القيم والغزالي وابن خلدون ثم ينتقل إلى رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومالك بن نبي والكواكبي وغيرهم وفي كل مرحلة من مراحل نموه ونضجه يتكئ على هذه القاعدة الثقافية سواء كان فيزيائياً أو رياضياً أو اجتماعياً أو مؤرخاً أو طبيباً وقد أخذ علماء هذه الفترة المعاصرة بإعادة العمل في المادة العلمية القديمة أو المادة الثقافية لإحيائها وإعطائها ثوباً في المعاصرة وأخذت أدوات العلم المعاصر ومنجزاته التكنولوجية المتقدمة تستخدم على أوسع نطاق لتحقيق هذه الغاية أي عصرنة الماضي. وبطبيعة الحال فإن جوهر العمل على هذه المواد لم يكن نقدياً ولكنه كان تبريرياً وتعليلياً، وتغص الكتب والبرامج المدرسية وكذلك الآلاف من العلماء والمعلمين الذين يساهمون بدورهم في تسخير علمهم لصالح الحقبة الماضية ولصالح العلم الماضوي والثقافة الماضية ولذلك غاب تاريخ العلم في عقليتنا وأصبح يعيش في الوراء في أعماق التاريخ وتحول دوره من صانع للمستقبل من خلال تطوير نظام التعليم المواكب للعصر المعاصر إلى مرمم للماضي ومزخرف له وأصبح أغلب التعليم يسلك سبلاً متعرجة تسوده الهشاشة ويعمه الارتباك والاستعداد للتراجع ولذلك يجب على المسؤولين عن البرامج والمناهج والطرق التدريسية في جميع مؤسساتنا التعليمية العام والعالي أن يجعلوا تعليمنا محكوماً بالرؤية المستقبلية لمصير الأجيال القادمة برمتها لا بالفوائد والمكاسب الصغيرة والآنية أو الجزئية وإعادة بناء العقل والمعلومات لتحويلها إلى بناء عقلي علمي يزيل جميع الحواجز المفتعلة بين ضروب المعرفة وفتح قنوات جميع العلوم وامتزاجها ببعضها البعض من خلال إعادة النظر في مناهج التعليم على مختلف مراحله وإعادة النظر في مواده على مختلف مصادرها لكي توجه في خدمة المشروع لتطوير العملية التربوية ليفتح القنوات الفكرية والتعليمية والثقافية وإعطاء الفرصة الحقيقية للتفاعل الواسع لهذه الأنشطة ومثل هذا التفاعل سوف يساعد لإزالة حاجز الخوف أو الرهبة أو الكراهية أو الشك من العلم ومن مقدماته ونتائجه والخروج من واقع التخلف المأساوي الذي يعيق حل مشاكل وقضايا الوطن الداخلية والخارجية.