الإعلام والصحة... نقاط الالتقاء والافتراق
حظيت بشرف إلقاء الكلمة الافتتاحية للجلسة الأولى لندوة «التوعية والإعلام في تعزيز الصحة» والتي تعقدها وزارة الصحة هذه الأيام بمدينة الرياض فبرز أمامي سؤالان جوهريان بخصوص هذه القضية وهما: ما طبيعة العلاقة بين الإعلام والصحة؟ وأي علاقة ينبغي أن تكون بين الطرفين؟.
وإجابة على السؤالين أعلاه أقول: إن ثنائية الإعلام والصحة تمثل في نظري القاعدة التي يتأسس عليها الوضع الصحي في عالم اليوم. فالصحة مطلب انساني مشروع، والإعلام هو الوعاء الملائم الذي يساهم في الترويج لهذا المطلب الانساني والتأكيد عليه وتحقيقه على أرض الواقع متى قام بهذه المهمة بمهنية عالية وحين يدرك القائمون عليه مسؤوليتهم الأخلاقية في هذا المضمار.
لا يخفى على الجميع أن عالم اليوم هو عالم الثورة الإعلامية، حيث أصبح الإعلام بوسائله المختلفة المرئية والمقروءة والمسموعة ملازما لنا في كل لحظة من لحظات حياتنا وفي كل مكان تقريبا، بل إنه أصبح المؤثر الأكبر في تشكيل أفكارنا وقيمنا وقناعاتنا وعاداتنا وسلوكياتنا وهو مصدر المعلومات الأساسي عن ما يجري على كوكبنا من أحداث ووقائع. ولعلني لا أجافي الحقيقة إذا ما قلت إن الإعلام بقدر ما يساهم في تحقيق صحتنا الجسدية والنفسية عبر البرامج والمقالات التوعوية إلا أنه يساهم في الوقت ذاته في اعتلالاتنا الجسدية والنفسية من خلال نشره لأخبار الحروب وما ينجم عنها من دماء وجثث متناثرة وخراب ودمار ونشر الرسائل الصحية الناقصة أو الخاطئة أو المتناقضة، بالإضافة إلى الترويج للسجائر والمشروبات الروحية والعلاقات الجنسية المحرمة والعنف والأدوية غير المرخصة طبيا والأفكار غير العقلانية في المجال الطبي كالشعوذة والسحر والممارسات الشاذة والغريبة التي تهدد سلامة الانسان

كيف يمكن التحكم بالمعلومات
الطبية الخاطئة أو المميتة؟!

وصحته.
إذن العلاقة بين الإعلام والصحة ليست دائما علاقة تساند وتآزر وتكامل لكنها أحيانا تأخذ صفة التنافر والتعارض والتضاد إما بفعل المصالح المتضاربة بين الطرفين أو بسبب عدم توفر الكوادر الاعلامية المتخصصة في المجال الصحي.
ورغم هذه العلاقة المنسجمة بين الاعلام والصحة في كثير من الأحيان والمتضادة والمتنافرة في أحيان أخرى إلا أننا لا ننكر أهمية العلاقة العضوية بين الطرفين في وقتنا الراهن، فالمؤسسات الصحية أصبحت تعتمد بشكل كبير على الإعلام بوسائله المختلفة كأوعية تحمل رسائلها التوعوية وغيرها إلى الجمهور، إدراكا من القائمين على هذه المؤسسات بأن الاعلام هو الوسيلة الأسرع لايصال تلك الرسائل في عالم أصبح فيه الإعلام هو الوسيط الأهم في تشكيل الرأي العام ونشر الوعي وغرس القيم وبناء العادات والاتجاهات والقناعات وبث الأخبار بصورة أسرع وبمدى أوسع وبتأثير أقوى وأكبر.
الإعلام إذن يستطيع نقل رسائل أقوى وأكثر اقناعا حول العديد من القضايا المرتبطة بحياة الانسان بما فيها القضايا الصحية والتي تشمل من ضمن ما تشمل قضايا التغذية والحمية والتمارين الرياضية وأضرار المخدرات والمسكرات والأمراض والكوارث والأوبئة والمخاطر الصحية المختلفة ومسبباتها وطرق الوقاية والعلاج منها.
إن قدرة وسائل الاعلام على صناعة النموذج السلوكي سواء في السلب أو في الايجاب يجعل من الأهمية بمكان مراجعة العلاقة الوطيدة التي تربط بين الاعلام والمؤسسات الصحية من أجل تمتين هذه العلاقة وتوجيهها الوجهة السليمة حتى لا يصبح الاعلام أداة هدم لأهداف وتطلعات هذه المؤسسات. فالاعلام يشكل حجر الزاوية لأية جهود تثقيفية وتوعوية في المجال الصحي بعيدا عن التهويل الممجوج أو التبسيط الساذج للقضايا الصحية. بل إن الإعلام يمكنه أن يكون شريكا قويا في الجهود المبذولة لإيصال الرسائل التوعوية إلى جمهور عريض ومتنوع ولكن جاذبية التغطية الاعلامية تستلزم نقل هذه الرسائل بصورة فعالة بحيث يتم تزويد الاعلام بمعلومات صحيحة وذات قيمة والا فقدت معناها ومغزاها وتأثيرها لدى الجمهور المتلقي.
إن المتأمل في الاعلام العربي بوسائله المختلفة يجد أن هناك شحا في مساحة البرامج والمقالات المخصصة للتوعية الصحية عدا بعض المحاولات الخجولة التي تبرز من حين إلى آخر كبرنامج «سلامتك» أو بعض القنوات التلفزيونية المتخصصة في التثقيف الصحي كما هو الحال على قمر النايل سات المصرية أو بعض المقالات والزوايا الصحفية والبرامج الاذاعية لكن هذه الجهود المبعثرة لا تسير ضمن استراتيجية شاملة سواء على المستوى المحلي أو الخليجي أو العربي وانما هي مبادرات فردية.
إننا ونحن نتحدث عن العلاقة بين الاعلام والصحة لابد أن نجيب على جملة من الأسئلة الجوهرية أهمها: كيف يمكن بناء شراكة عميقة بين الاعلام والمؤسسات الصحية؟ وهل يمكن التحكم بما ينشر في الاعلام فلا ينشر إلا بإجازة من أطراف صحية موثوقة؟ وهل يمكن الحد من تضارب المصالح بين الطرفين فيما يتعلق بالدعايات والأخبار التي ينشرها الأعلام وتكون لها آثار صحية ضارة على الجمهور؟ وهل يمكن إعداد كوادر اعلامية متخصصة في المجالات الصحية المختلفة؟ وكيف يمكن تفعيل العلاقة بين الاعلام والمؤسسات الصحية وخاصة في مجال الحملات الاعلامية؟ وهل يمكن قيام اعلام صحي متخصص؟ وما عوائق قيام مثل هذا الاعلام رغم ما نشاهده اليوم من اعلام متخصص في الفن والرياضة والسياسة والاقتصاد والدين ؟ وكيف يمكن التحكم بالمعلومات الطبية الخاطئة أو المميتة التي قد تطرح عبر الانترنت دون رقابة؟.
Dr_Fauzan_99@hotmail.com