افياء
حراج الصحافة
اعتاد الناس متى أرادوا أن يصفوا شيئاً بالفوضى أن يشبهوه بالحراج حيث عادة ترتفع الأصوات ويكثر الضجيج فتتداخل الأشياء فيما بينها وتختلط ببعضها بلا نظام أو ضبط.
وصحافتنا الغنية بكل ذلك، تذكرني بتلك الصورة الفوضوية للحراج، فالمجال في أكثر الصحف مفتوح للكتابة والنشر أمام كل من أشهر قلمه وادعى قدرة على اجراء المقابلات أو نشر التحقيقات أو صياغة الأخبار أو كتابة المقالات وتحرير الزوايا، ولست في حاجة إلى ما يثبت الحصول على تدريب أو التزام بأخلاق المهنة أو حتى التمكن من الصياغة اللغوية الصحيحة، فباتت الصحافة ميداناً لعمل كثير من الشباب حديثي التخرج عديمي الخبرة محدودي الاطلاع، يمارسون على صفحات الصحف محاولاتهم في الولوج إلى دنيا الصحافة بلا اجتهاد وبلا قيادة مشرفة توجههم وتدربهم وتقوّم أعمالهم، فلا غرابة إذن إن تضمن ما يُنشر في الصحف كثيراً من السخف. وهو أمر كان من الممكن التغاضي عنه والسكوت حوله لولا أن الصحافة تعد مدرسة لكثير من العامة الذين لا يعرفون لهم مصدراً لاستقاء المعرفة سوى ما يُنشر في الصحف، وإذا اكتظ هذا المصدر بالأخطاء والتحريفات وتشويه الحقائق وتعميق الاعتقاد بالخرافات، امتد تأثير كل ذلك إلى أولئك الذين يتلقون الصحيفة كل صباح ليستقوا منها زادهم اليومي من المعرفة. وكنت قد كتبت يوم الاثنين الماضي مقالاً انتقدت فيه ما أورده بعض الصحفيين على لسان طبيب نفسي من أنه تمكن من تشخيص حالة من بين 1231 حالة مرضية على أنها حالة (تلبس الجن). وكيف أن الصحيفة بنشرها مثل هذا القول تظهر أطباءنا في إحدى صورتين سيئتين: إما أن يكونوا أقرب إلى الجهل لا يختلفون كثيراً عن ما يظنه العوام، وإما أن يكونوا ضمن إطار المستغلين لسذاجة العوام بحثاً عن الشهرة وكسب المال. وقد سرّني أني تلقيت اليوم رسالة من الدكتور رضا عبدالعزيز الغمراوي الذي كتب الخبر على لسانه، يوضح فيها حقيقة ما ذكر وكيف أن الصحافيين يكونون أحياناً آفة الأخبار. تقول الرسالة: «إيماءً إلى مقالكم المنشور في جريدة عكاظ يوم الاثنين 26 ربيع الأول 1427هـ تحت عنوان (نحن والجن) رداً على المقال المنشور بنفس الجريدة يوم الخميس 22 ربيع الأول 1427هـ في صفحة شؤون محلية تحت عنوان (حالات المس قليلة) والذي ذكر بأنه على لساني. أفيد سيادتكم علماً بأنه لم يصدر مني هذا الكلام مطلقاً، ولم أقل أبداً إننا أجرينا بحثاً على 1231 حالة بالمستشفى، وبأنني لم أصرح للصحافة بأي شيء ولم أقل مطلقاً كلاماً للنشر بالصحافة التي لها قواعدها وأخلاقها في النشر، وأن هذا الكلام الذي نُشر وقيل إنه على لساني لا يخرج عن كونه فبركة صحفية كما يقولون. والدليل على ذلك أنه قال على لساني: (إن المرض النفسي عبارة عن هلوسة) فهل هناك طبيب نفسي مبتدئ وليس حاصلاً على دبلومين في الطب النفسي وخبرة تقارب ثمانية عشر عاماً يعرف المرض النفسي بذلك؟». أشكر الدكتور الغمراوي على إيجابيته وحرصه على توضيح الحقيقة، وأعرض هذا الحدث وأمثاله أمام رؤساء تحرير الصحف الكرام ليعطوا هذه الناحية بعضاً من اهتمامهم، فالصحافة في صورتها (المثالية)، تحمل عبء قيادة العامة إلى المعرفة والنور ولا تبالي إن خلا ذلك مما يدغدغ العواطف أو يداعب الخيال.
ص.ب 86621 الرياض 11622 فاكس 4555382