افياء
الحلم المفقود
حال الناس في هذه الحياة شبيه بحياة التاجر التي تختلط فيها المكاسب مع الخسائر. فالناس في هذه الدنيا تجار تمتلئ دفاترهم بحسابات الربح والخسارة، لكن الأغلبية منهم يريدون لأنفسهم حياة مليئة بالربح خالية من أي خسارة، وهذا أمر لا يتحقق، ولن يتحقق لأحد في هذه الدنيا. وربما أدرك الناس هذه الحقيقة لكنهم يتجاهلونها ويشيحون بوجوههم عنها لا يريدون اعترافاً بها، فينعكس ذلك عليهم بالشعور الدائم بالغبن والأسى كلما حلت بهم خسارة من أي نوع، ولا يخفف عنهم أنهم في الجانب الآخر تحققت لهم أرباح اخرى يرونها تتكدس في دفاتر حساباتهم. هناك اسطورة عالمية تقول ان رجلاً فقيراً ظل بائساً معظم حياته يشعر بالسخط والنقمة لأنه لا يجد مالا يشتري به حذاء يحمي قدمه من ألم السير على الحصى، الى ان رأى يوماً رجلاً يزحف بلا قدمين، فأدرك آنذاك ما لديه من ربح لا يقارن بتلك الخسارة المتمثلة في عدم القدرة على امتلاك حذاء.
بعض الناس يقيم سعادته بمقدار ما يحقق لنفسه من رغبات يتطلع اليها، ومعياره في ذلك مقارنة ما عنده بما هو عند الآخرين، فإن كان عنده مليون والآخرون عندهم عشرة عد ذلك خسارة، وازدرى ما لديه ونقم على حظه، ولو انه فقد ذلك المليون لأدرك كم كان غبياً في عدم تقديره لتلك النعمة. فمن سمات الناس انهم لا يقدرون ما لديهم من مكاسب الا متى فقدوها وتبخرت من ايديهم. كذلك مما يزيد في نقمة الناس ويربي شعورهم بالبؤس انهم يمعنون النظر فيما يملكه الآخرون من مزايا يرونها سبباً لجلب السعادة، ولا يمعنون النظر فيما لديهم هم، بل انهم في أغلب الأحوال يغشون انفسهم فيرون ما لدى الآخرين في صورة اجمل مما هو في حقيقته، وقد يقارنونه بما لديهم فيعدونه افضل مما عندهم، وبناء عليه يحكمون بأن الغير أسعد حالاً منهم، وربما ظنوهم في حال أفضل مما هم عليه حقاً. إن تضخيم الخسائر والتقليل من قدر الأرباح هو سر شقاء كثير من الناس ولو أن الناس أعادوا النظر الى دفاتر حساباتهم لحمدوا ربهم كثيراً على ما لديهم من مجموع الأرباح والخسائر.
ص.ب 86621 الرياض 11622