إن ترتيب العنوان بهذا الشكل لم يكن من قبيل المصادفة وإنما هو مقصود بشكله ومضمونه ليعطي دلالات ذات أبعاد جيوسياسية واقتصادية مهمة يمكن اختصارها في ضرورة الاستفادة من العلاقات المتميزة والجسور الحضارية المتجددة التي أرستها زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز للصين والتي ما لبثت أن وظفتها القيادة الصينية الواعية بزيارة رد من الرئيس (هو جينتاو) في بداية جولة تمر عبر المملكة نحو ثلاث دول أفريقية هي كينيا ونيجيريا والمغرب قبل أن تنتهي في الولايات المتحدة الأمريكية.
ويلاحظ من خلال الخطابات والمؤتمرات الصحفية التي عقدها الرئيس الصيني في كافة الدول التي شملتها زيارته تركيزه على رسالة واحدة تتلخص في ضرورة احترام الشعوب لبعضها البعض والعمل على إعادة هيكلة النظام العالمي ليكفل سيادة واستقلال مختلف الدول وحقها في توظيف ثرواتها في سبيل تنمية شعوبها وتحسين أوضاع مواطنيها المعيشية.
وقد بلغ تأكيد الرئيس الصيني على تلك الرسالة ذروته في خطابه أمام البرلمان النيجيري يوم الخميس الماضي من خلال تكرار نفس مفهوم الخطاب الذي سبق أن ألقاه أمام أعضاء مجلس الشورى السعودي والمتمثل في رغبة بلاده في بناء شراكة مصلحية استراتيجية مع أفريقيا وفق أسس مغايرة بل متناقضة مع تلك التي تعتمدها الإدارة الأمريكية الحالية مع الأفارقة والشرق أوسطيين.
لقد بدأ العملاق الأصفر في التمدد غرباً مع بداية أفول نجم القطب

إن كانت الصين تبحث عن قاعدة انطلاق لشراكتها فالمملكة مؤهلة لذلك

المتفرد الذي بدأ بالانكماش عسكرياً وصناعياً ليتضح للعالم أجمع أنه لم يعد اللاعب المهم الوحيد على الساحة الدولية وأن عليه إعادة ترتيب أوضاعه ليتكيف مع الحقائق الجديدة بالاعتراف بحقوق القوى العظمى الأخرى في الوصول إلى موارد وأسواق كانت حكراً عليه حتى وقت قريب. فقد تطورت العلاقات الاقتصادية الصينية الأفريقية في الآونة الأخيرة بصادرات وصلت إلى 13.8 مليار دولار سنة 2004م بزيادة وصلت إلى 36 في المائة عن السنة التي سبقتها، وواردات من أفريقيا وصلت إلى 15.65 مليار دولار معظمها من المواد الخام بزيادة تخطت 80 في المائة عن السنة السابقة، كما وافقت الصين خلال الزيارة الأخيرة على منح نيجيريا ائتمانا يصل إلى 500 مليون دولار بشروط ميسرة لتمويل استيراد منتجات صينية.
إن مبادرة القيادة الصينية إلى رد زيارة العاهل السعودي بهذه السرعة الفائقة واستكمالها بزيارت لثلاث دول أفريقية يعطي دلالة واضحة على أن طموحات الشراكة الصينية لا تقتصر على الشرق الأوسط ونفطه بل تتجاوزه إلى أفريقيا كامتداد طبيعي وجوار تاريخي للشرق الأوسط، كما يعطي دلالة على أن التحرك الصيني يرتكز على خطة عمل مدروسة بعناية للتبادل الاقتصادي والحضاري وأنها في تحركها لتنفيذ هذه الخطة توظف كافة عناصر النجاح وفي مقدمتها العمل على الحصول على التأييد والدعم السعودي للتواجد الصيني في المنطقة.
ولئن بدت زيارة الرئيس الصيني لنيجيريا ذات دوافع نفطية وتسويقية إلا أن زيارته لكل من كينيا والمغرب تتطلب مزيداً من التأمل حيث يبدو أن زيارته لكينيا تهدف إلى تثبيت موطئ قدم للصين في منطقة القرن الأفريقي التي يسهل الوصول إليها بحراً عبر المحيط الهندي لاتخاذها كقاعدة انطلاق إقليمية للشراكة الاقتصادية مع أفريقيا،أما زيارة المغرب فيمكن النظر إليها في نطاق البحث عن قاعدة انطلاق للشراكة الصينية مع أوربا الغربية بحكم الموقع المميز للمغرب على المحيط الأطلسي ومضيق جبل طارق.
وهذا الجانب على وجه التحديد هو ما يمكن أن نتنبه له، فإن كانت الصين تبحث عن قاعدة انطلاق لشراكتها مع أفريقيا وأوربا فإن المملكة مؤهلة من كافة النواحي بحكم الموقع والمكانة والموارد أن تلعب دور الوسيط والشريك الكامل للصين في علاقاتها الشرق أوسطية والأفريقية والأوربية، ويمكن أن يتم هذا من خلال إنشاء مناطق اقتصادية مشتركة مع الصين، شبيهة بمدينة الملك عبدالله، في مواقع أخرى على سواحل البحر الأحمر الجنوبية قرب باب المندب والشمالية قرب قناة السويس.
إن العمل على اغتنام هذه الفرصة السانحة في ظل العلاقات السياسية المتجددة بين المملكة والصين أمر على قدر كبير من الأهمية ولا يحتمل التأخير، هذا إذا ما أردنا أن نعزز مكانتنا العالمية ونوجد نوعاً من التوازن المصلحي في علاقاتنا بالدول العظمى مما يمكن أن يعزز من سيادتنا واستقرارنا وينعكس بالتأكيد على رفاه مواطنينا في الأمد الطويل.
altawati@hotmail.com