اهتم المؤرخون الجغرافيون والرحالة قديماً وحديثاً عربيين أو غربيين مشيدين بروعة سماء الطائف المزدان بالغيوم الحبلى بماء السماء، والطبيعة الساحرة الفاتنة ذات المناخ المعتدل والمياه العذبة والفصول الثلاثة وآثارها العتيقة التي تستنبت الأساطير والروايات المكثفة لنقش صورتها بأنها من أعرق المدن فهي كما قيل عنها أن لكل مدينة عروساً ولكن الطائف عروس المدن، فهي مصيف المليون شجرة الضارب بجذوره العميقة والعتيقة في أرضية التاريخ وخاصرته، المضيء في جبين الزمن، المصيف الأول للوطن وللجزيرة العربية.
فالطائف الذي تلتقي عنده السبل ولا تفترق، ويتفق على فردوسه الساحر، الجمع ولا يختلف فشمس الحضارة والمدنية أشرقت من مشارف الطائف.
وإذا كانت حدود المدن شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً فإن حدود الطائف تاريخ وحضارة وفن وتراث. أما معالمه فجمال وسحر وروعة عندما نتحدث عن الطائف فإننا نستعرض التاريخ والآثار وأيضاً نرسم خارطة الفكر والفن والثقافة لأنها نافذة يطل منها الجميع على حضارة مدينة تحكي عراقة وتاريخاً وماضياً.
هذه المدينة أكسبها موقعها الجغرافي الاستراتيجي الفريد مكانة متقدمة بين مدن الجزيرة منذ أقدم العصور وجعلها تتمتع بنشاط اقتصادي لكونها ملتقى القوافل التجارية بالإضافة إلى أنها البوابة الشرقية للعاصمة الدينية مكة المكرمة.
مما جعلها تهيئ للمسافر والمقيم مساحة مكثفة من الاختيارات من عبادات دينية، كمناسك الحج والعمرة، أو التمتع بجمال الطبيعة بكافة أبعادها، أو الاستئناس التمتعي بالجو الخلاب المتميز على مستوى

التاريخ هو الكنز الذي يحفظ مدخرات الأمة في الفكر والثقافة

الجزيرة العربية.
كما اشتهرت الطائف وأصبحت في ذاكرة العقل العربي وذلك بالشعاع الكرنفالي الثقافي قبل الإسلام وهو سوق عكاظ الذي كان سوقاً تجارياً ومهرجاناً أدبياً تمتزج فيه التجارة ببريق الإبداع الشعري.
لذلك نهضت مؤسسة وطنية أشرقت في سماء الوطن تهتم بسجلها الحافل بالإنجازات والانتصارات وهي دارة الملك عبدالعزيز ولا داعي لسرد أنشطتها ولكنها توهجت عندما اعتلى قمتها قامة مضيئة أمين عامها الدكتور فهد السماري الذي يؤمن بأن التاريخ يكتب اعتماداً على الوثائق المكتوبة إن وجدت فهي التي انحدرت إلينا من القرون السابقة فهي قسم من الماضي حاضر بيننا وهي نقطة الابتداء.
كما تؤمن الدارة أن التاريخ بالنسبة للأمة ليس مجرد ماض انتهى بل هو بالنسبة لكل الأمم الحية جزء من النهر الكبير الذي تتدافع بين شطآنه أمواج حضارتها، فيكاد الماضي ينسكب في الحاضر ويكاد الحاضر يذوب بين معبري الماضي والمستقبل، وليس التاريخ مجرد أحداث جامدة إلا لهؤلاء الذين فقدوا وعيهم بذاتهم وحضارتهم ووقفوا عراة يتسولون من هنا وهناك بعض فئات الحضارات المحيطة بهم.
وتؤكد الدارة أن مهمة التاريخ أن يحرر الفكر الإنساني من العبودية والخرافة والغباء من أجل نشر الحرية والتنوير والعقل، وأن تتسع دراسة التاريخ لما هو أهم من المعارك وأخبارها والمعاهدات السياسية وأخبار الملوك وحواديت البلاط، وأن يتتبع سير العقل البشري في شتى مظاهر النشاط الإنساني.
لذلك تنبع أهمية التاريخ كمدرسة عليا يستمد الإنسان من تجاربها الكثير مما يعينه على تخطي ما يواجهه من أزمات، وهو مدرسة كبرى مليئة بالتجارب التي تصقل فكر الإنسان وتأخذ بيده وترشده في مسيرته الكبرى لبناء حاضر أفضل والتخطيط لمستقبل أقوم. إننا نؤمن بأهمية وخطورة دور التاريخ في توعية المجتمع لأن التاريخ يرينا أنفسنا على حقيقتها وكأننا ننظر في مرآة تنعكس عليها خلجاتنا.
لذلك تؤكد الدارة على أن التاريخ هو الكنز الذي يحفظ مدخرات الأمة في الفكر والثقافة والعلم والتجارب، وهو الذي يمدها بالحكمة التي تقتضيها رحلتها في الزمان تجاه تقلب الأحداث.
والأمة التي لا تحسن الفقه بتاريخها هي أمة فاقدة للحس التاريخي مريضة بحالة غيبوبة عن الذات وتائهة عن حقيقتها ودورها ومعالم طريقها إلى المستقبل، إن فقه التاريخ ضرورة لكل أمة تريد أن يبقى لها دور متميز في التاريخ، وإن الوعي بتاريخنا وحضارتنا هو الطريق لاستئناف دورنا القيادي.
ونحن نحمد الله على العقل العربي على الرغم من كل ما يؤخذ عليه، فقد تقدم خطوات كبيرة في وعيه بحضارته وفقهه بتاريخه، وقد ظهرت في هذا السبيل نماذج متعددة ذكرنا أبرزها وهي دارة الملك عبدالعزيز لتاريخ هذا التطور في النظرة والاهتمام إلى التاريخ وهذا التطور الذي نأمل أن يتزايد ويستمر حتى يكون لإطارنا التاريخي وتجربتنا الحضارية الإسهام الفعال والمؤثر بقسماته ومعالمه في مسيرتنا الحضارية نحو المستقبل الذي يمشي بجناحين معاً الأصالة والتحديث.