شيراك والمثقف السعودي.. ومنتدى جدة
خبر ظريف جاء على الصفحة الأولى من صحيفة الشرق الأوسط الصادرة يوم السبت 25 صفر 1427هـ الموافق 25 مارس 2006م.
عنوان ومضمون الخبر يدلان على مغادرة الرئيس جاك شيراك قاعة اجتماع القمة الأوروبية في بروكسل احتجاجاً على مواطنه الفرنسي إنست سيلييه رئيس لوبي الأعمال الأوروبي عندما بدأ هذا الفرنسي في إلقاء كلمته باللغة الإنجليزية.
ولكي يبرر قراره بمغادرة القاعة فجأة أثناء إلقاء مواطنه سيلييه كلمته بالإنجليزية، قال شيراك إنه فضل ومعه الوفد الفرنسي مغادرة القاعة على الاستماع إلى سيلييه وهو يلقي خطابه باللغة الإنجليزية، قائلاً إن بلاده حاربت كثيراً لضمان التحدث باللغة الفرنسية في المؤسسات والمحافل الدولية. وأوضح الرئيس الفرنسي أن اعتراضه على عدم استخدام اللغة الفرنسية أمام القمة الأوروبية من قبل المتحدث الفرنسي ليس فقط من منطلق المصلحة القومية لفرنسا ولكن أيضاً لمصلحة الثقافة والحوار بين الثقافات، إذ لا يمكن بناء عالم اعتماداً على لغة واحدة أو ثقافة واحدة. ومن المعروف أن شيراك (وغيره من الكثير من الرسميين الفرنسيين) يرفضون التحدث في المحافل الدولية والاجتماعات الرسمية

حاربنا كثيراً لتصبح العربية لغة رئيسية معتمدة في الأمم المتحدة

والندوات إلا بلغتهم الأم (الفرنسية) بالرغم من إجادتهم للغات الأخرى، وذلك من منطلق الاعتزاز القومي والانتماء لكل ما هو فرنسي.
وتذكرت أيضاً كيف وقفت السيدة إنجيلا ميركل، مستشارة ألمانيا، في المؤتمر الصحفي في حديقة البيت الأبيض إلى جانب الرئيس بوش لتتحدث إلى الصحفيين وتجيب على أسئلتهم بلغتها الأم، الألمانية، بينما هي لا تقل إجادة للغة الإنجليزية عن بوش نفسه.
هذا الخبر أثار في ذاكرتي ما حدث في منتدى جدة الاقتصادي قبل عدة أسابيع، حيث ألقى غالبية المتحدثين المثقفين السعوديين كلماتهم باللغة الإنجليزية، ربما لكي يشهد الأجانب أن السعوديين هم على درجة عالية من العلم والثقافة وها هم يرطنون أمامهم باللغة الإنجليزية (الأكفسوردية) بطريقة لا يضاهيهم فيها أحد.
في ذلك المنبر بالذات، في جدة، أمام حشد يسوده المتحدثون باللغة العربية من جميع الدول، وفي قلب الدولة الإسلامية الأولى التي أنزل قرآنها باللغة العربية، كان من الواجب أن تكون الكلمات الملقاة من قبل الإخوة السعوديين في ذلك المنتدى بلغتنا الأم، اللغة العربية الفصحى، خاصة مع وجود ترجمة فورية، ولكن حسب علمي لم يستخدم اللغة العربية في كلمتها سوى الدكتورة الفاضلة ثريا العبيد، وهي بالطبع تجيد اللغة الإنجليزية إجادة تامة.
طبعاً لا يمكن المزايدة على غيرة أولئك الإخوة الذين تحدثوا في ذلك المنتدى على لغتهم العربية وحبهم لها، ولا يمكن الطعن في مقدرتهم على التحليق في سماء اللغة العربية بلسان عربي فصيح وكلام مرتب منمق. ولكن المثير هو إصرار زعماء الدول الغربية ومسؤوليها في إلقاء كلماتهم والتحدث في المحافل الدولية الرسمية بلغتهم الأم دون أي حرج وأدنى تردد ودون أي اعتبار لجنسية الحضور والمستمعين الذين في إمكانهم فهم ما يُقال عن طريق الترجمة الفورية، ومقارنة ذلك مع إصرار مثقفينا الذين تحدثوا في منتدى جدة الاقتصادي بلغة أجنبية (ولكنة عربية رغم المحاولات اليائسة)، في بلدهم وأمام حضور غالبيته من الناطقين باللغة العربية.
لقد حاربنا بالفعل كثيراً لكي تصبح اللغة العربية لغة رئيسية معتمدة في الأمم المتحدة، ثم بعد ذلك ها نحن نلقي كلماتنا في محفل دولي بلغة أخرى غير العربية.
أمر أثار حيرتي، إذ أن رمزية هذا الموقف لها دلالات عديدة مختلفة، فانتبهوا أيها السادة.